وهبة الزحيلي
44
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
ثم ذكرت أدلة الوحدانية وعظمة القدرة الإلهية بالتأمل في صفحة الكون والنظر في خلق السماوات والأرض ، والاعتبار بمأساة المكذبين الغابرين وعاقبتهم السيئة ، وأردف بعدها أدلة البعث ، والأمر بعبادة اللّه وحده ، وذلك مقتضى الفطرة التي فطر الناس عليها . ونوقش فيها المشركون وضربت لهم الأمثال في أن الشركاء ضعفاء عاجزون لا يملكون لأنفسهم يوم القيامة نفعا ، ولا يتمكنون دفع الضر عن أحد ، ولا يستطيعون خلق شيء وإيجاده ولا إمداد أحد بالرزق . وكشف القرآن حقيقة حال المشركين كما ذكر في السورة المتقدمة وهي لجوءهم إلى اللّه وقت الضر ، وإشراكهم به وقت الرخاء ، وأميط اللثام عن طبيعة الإنسان وهي الفرح بالنعمة ، والقنوط حين الشدة إلا من آمن وعمل صالحا . ونهى اللّه تعالى عن اتباع المشركين وغيرهم الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ، ثم أمر تعالى بالتصدق على ذوي القربى والمساكين وابن السبيل ، واجتناب أكل الربا ، وتنمية المال بوجوه الحلال وتطهيره بالزكاة . ثم قارنت السورة بين مصير المؤمنين في روضات الجنان فضلا من اللّه تعالى ، ومصير الكافرين في نيران الجحيم جزاء أعمالهم وكفرهم ، وحينئذ تظهر فائدة الإيمان والخير ، وظلام الكفر والشر . وأعقب ذلك إيراد بعض الأدلة الكونية الناطقة بقدرة اللّه والدالة على وحدانيته من إرسال الرياح مبشرات بالرحمة ، وتسيير السفن في البحار ، وتمكين المسافرين من التجارة وابتغاء فضل اللّه في أقطار الأرض ، والدلائل الملحوظة في الأنفس من خلق ثم رزق ، ثم إماتة ، ثم إحياء . وختمت السورة بتسلية الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم عن إعراض قومه عن الإيمان برسالته بأنهم أغلقوا منافذ الهداية ، وعطلوا طاقات الفكر والعقل عن النظر في وسائل